مرت السنوات ببطء، لكن الوجع ظل كما هو، لم يهدأ يومًا. كنت أنظر إلى ابنتي الصغيرة الجديدة، فأراها ظلًا لأختها المفقودة. نفس العيون، نفس الابتسامة البريئة، حتى طريقتها في الضحك كانت تشبهها لدرجة تخيفني أحيانًا. حاولت أعيش حياة طبيعية، لكن كل لحظة سعادة كانت ممزوجة بشعور ذنبٍ قاتل، كأني بخون سارة بنفسي.
كبرت الصغيرة، وبدأت تتكلم وتمشي وتلعب، وكانت دايمًا تسألني عن أختها لما تشوف صورها القديمة معلقة على الحيط. كنت أرد عليها بابتسامة مصطنعة وأقول: “دي ملاكنا اللي في السما.” لكن جوايا كان في نار ما بتطفيش. كل ليلة كنت أقف عند الشباك وأدعي، يمكن ربنا يسمعني يوم وأعرف مصير بنتي الأولى.
وفي أحد الأيام، وكنت راجعة من المدرسة مع بنتي الصغيرة، شفت بنت واقفة عند إشارة المرور، شعرها البني الطويل ملموم بذات الطريقة اللي كنت أعملها لسارة وهي صغيرة. قلبي اتنفض، وقفت بسيارتي فجأة رغم الزحمة، وفضلت أتابعها بعيني. كان في حاجة جوايا بتقولي: “دي هي.” لكن قبل ما ألحق أنزل، اتحركت الإشارة واختفت وسط الناس.
رجعت البيت وأنا قلبي بيخبط بجنوني، حكيت لجوزي اللي حاول يهديني وقال: “يمكن شبهها.” لكن أنا كنت متأكدة، كانت سارة، نظراتها نفس النظرات، وخطواتها نفس الخطوات الصغيرة اللي عمري ما نسيتها. من اللحظة دي، بدأت أدوّر من جديد، كأني رجعت لنقطة الصفر، لكن المرة دي كنت واثقة إن في أمل حقيقي.
بدأت أروح الأماكن اللي شفتها فيها، أسأل الناس وأسلم صور قديمة ليها، لكن أغلبهم ما يعرفوش حاجة. لحد ما في يوم اتصل بيا راجل وقال إنه شاف بنت بنفس المواصفات بتشتغل في محل قريب من المنطقة دي. قلبي طار من مكانه، أخدت العنوان وجريت هناك أنا وجوزي.
وقفنا عند باب المحل، وقلبي كان بيخبط كأنه هيوقعني. دخلت بخطوات مترددة، ولما رفعت عيني شفتها واقفة قدامي. الزمن اتجمد. كانت نسخة طبق الأصل من سارة، لكن أكبر شوية، وعيونها فيها خوف. قربت منها وقلت بصوت مرتعش: “سارة؟”
نظرتلي باستغراب وقالت: “حضرتك مين؟”
دموعي نزلت غصب عني وقلت: “أنا ماما يا حبيبتي.”
الناس اتجمعت حوالينا، وهي كانت مرتبكة، لكن ملامحها بدأت تتغير كأنها بتحاول تتذكر. جوزي دخل ووقف جنبنا، ولما شافته اتجمدت مكانها وقالت بصوت مبحوح: “بابا؟”
انهارنا كلنا، حضنا بعض وبكينا سنين الغياب كلها في لحظة وحدة. بعدها عرفنا إنها اتخُطفت من قدام البيت واتنقلت بين بيوت كتير، لحد ما قدرت تهرب وتعيش وسط الناس باسم تاني.
النهارده رجعت سارة لبيتها، لكن الحياة مش زي الأول. كلنا اتغيرنا، اتعلمنا معنى النعمة، ومعنى الخسارة، والأهم إننا عرفنا إن المعجزات ممكن تحصل بعد ما نكون فقدنا الأمل تمامًا. سارة رجعت، والبيت رجع له النور اللي غاب سنين طويلة، وفضلنا نقول: “سبحان من يردّ الضال بعد التيه.”