عند كل لحظة يعيشها معها يربط فيها قدميه بقدميها خشية أن تهرب في الليل فيضيع عنها يطهو لها الطعام ويجلسها إلى جانبه في كل مكان ويراعيها كما يراعي الطفل أمه لا كما يرعى الابن أمه يضع حياته كلها بين يديها ويعتبر أن أنفاسه لا تساوي شيئا إن لم تكن هي بخير.
كثيرون لو كانوا مكانه لاختاروا أن يودعوها مصحة الأمراض العقلية يبررون لأنفسهم بأنهم تعبوا وأنهم فعلوا ما عليهم فيغلقون بذلك بابا عظيما من أبواب الجنة بأيديهم لكنه هو لم يفعل لم يرض أن يبتعد عنها يوما ولم يقبل أن يرى روحها وحيدة خلف
جدران باردة بل آثر رفقتها اختار أن تكون حاضرة في حياته بكل تفاصيلها بضحكتها الغريبة بكلماتها المبعثرة وحتى بإنكارها له فقط ليبقى باب الجنة مفتوحا في وجهه وليبقى رضا الله يظلل عمره كله.
هكذا تنتهي الحكاية لكنها في الحقيقة ليست حكاية تروى فقط بل درس حي يتجسد أمام أعيننا في هيئة شاب بسيط حمل معنى البر على كتفيه وكأنه تاج شرف يرفعه أمام الدنيا كلها.
شاب لم ينتظر أن يعرفه الناس أو يصفقوا له ولم يطلب من أحد أن يمدحه أو أن يمنحه لقبا فخما في وسائل التواصل أو الصحف بل كان يكفيه أن ينظر إلى وجه أمه المرهق البريء ليشعر أن حياته كلها لها قيمة وأن كل تعبه يهون في سبيلها.
لقد رسم هذا الشاب لوحة من الوفاء والرحمة تدرس للأجيال وأثبت أن البر ليس كلمات تقال ولا صورا تنشر بل أفعال صادقة وحياة تعاش بكل تفاصيلها. لم يغره الشباب ولا الانشغال ولا حتى مشقة حمله لأمه عقودا من الزمن بل ظل وفيا لها حتى وإن لم تعرفه ولم تدرك أنه ابنها.
أي قلب هذا الذي يحب دون انتظار رد الحب أي نفس هذه التي تسهر وتطبخ وتخدم وتربط قدميها بقدمها لئلا تهرب هذا هو البر الحقيقي الذي يرفع به الإنسان درجات في الدنيا قبل الآخرة.
كم من أبن اليوم يتمنى أن يرى أمه وهو بعيد عنها وكم من ابن اليوم يفر من خدمة أمه بحجة الانشغال أو السفر أو العمل
وهذا الشاب يقلب الموازين ويضع البر في مقامه الصحيح بابا للجنة يفتح مع كل لحظة صبر وحب ورحمة.
هذه القصة ليست مجرد مشهد في عيادة ولا مجرد دمعة نزلت على خد الطبيبة إنها ناقوس يذكرنا بأن الأمهات والآباء نعمة من الله وأن برهم ليس اختيارا أو فضلا نقدمه متى شئنا بل فرض وواجب وهو سبب في سعة الرزق وطول العمر والبركة في الحياة.
فلنتعلم من هذا الشاب أن البر ليس أن نقدم لأمهاتنا الهدايا فقط أو أن نزورهم في المناسبات بل أن نكون لهم سندا حتى
في أصعب أوقاتهم حتى حين يفقدون الذاكرة أو الصحة أو القدرة على تمييزنا.
وفي الختام نسأل الله أن يجعلنا جميعا من البارين بوالدينا في حياتهم وبعد وفاتهم وأن يرزقنا قلوبا رحيمة لا تمل ولا تكل وأن يفتح لنا باب الجنة ببرنا لهم كما فتح لهذا الشاب وأن يحفظ لنا والدينا ويغفر لمن سبقنا منهم إلى
رحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل هذه القصة شاهدا لنا لا علينا يوم نلقاك وذكرى تطرق قلوبنا كلما غفلنا عن فضل أمهاتنا وآبائنا.
اللهم لا تحرمنا فضلك ولا تغلق في وجوهنا باب الجنة واجعل والدينا سببا في دخولنا الجنة واجعلنا سببا في سعادتهم في الدنيا والآخرة.