قصص قصيرة

كوباية الشاي بخمسة جنيهات قصة واقعية مؤثرة

كوباية الشاي بخمسة جنيهات قصة واقعية مؤثرة

كل ليلة كنت أوصل كوب شاي واحد بس بخمسة جنيهات لأكتر رجل وحدة في القاهرة. كنت أكره الطلب ده من قلبي لحد ما اكتشفت إن الراجل ده ما كانش بيشتري الشاي أصلا.
لأكتر من تلات أسابيع نفس الإشعار بيظهر على موبايلي كل يوم تقريبا في نفس التوقيت العاشرة والنصف مساء. تنبيه من تطبيق التوصيل طلب واحد كوب شاي سادة من كشك القهوة في شارع الهرم. الوجهة شقة رقم ٧ عمارة قديمة في الطالبية. العائد خمسة جنيهات بالظبط. يعني لو حسبت البنزين والتعب والزحمة والوقوف قدام الكشك وقت المطر أنا اللي بدفع مش العكس.

كنت أقول لنفسي كل مرة هو في حد لسه بيطلب شاي بخمسة جنيه توصيل!
بس الشغل مش دايم والتطبيق مش بيرحم. يوم فيه عشرين طلب ويوم مفيش غير واحد. ولما الواحد في آخر الشهر بيحسبها بالورقة والقلم بيلاقي إن حتى الطلب اللي مش داخل العقل ممكن يكون هو اللي سد جزء من الإيجار. فكنت أروح كل ليلة.
صاحب الشقة رقم ٧ كان بالنسبالي لغز غريب. ما شفتوش ولا مرة. كل مرة الباب يفتح فتحة صغيرة وتطلع يد هزيلة ترتعش وهي بتديني خمسة جنيهات مجعدة وصوت ضعيف يقول تسلم إيدك يا ابني. وييجي بعدها صوت الباب وهو بيتقفل بسرعة

  كأنه بېخاف من الهوا أو من العالم كله. كنت أرجع العربية وأتمتم غاضبا يا عم اعمل الشاي في البيت! ليه الطلب اللي ملوش معنى ده!
لكن كل ده اتغير في ليلة واحدة. كانت واحدة من ليالي الشتاء اللي القاهرة فيها بتحول لمشهد من فيلم قديم شوارع غرقانة عربيات واقفة والناس بتجري تحتمي بأي مظلة. أنا كنت في نص الطريق ماسك كوباية الشاي في إيدي والمطر نازل كأنه بينتقم. العربية بتاعتي فيات موديل ما قبل التاريخ قررت ټموت فجأة. نزلت منها متضايق والمطر بيضرب وشي. مشيت أكتر من كيلو وأنا حاضن الكوباية جوا الجاكيت خاېف تقع أو يبرد الشاي.

وصلت للعمارة وأنا شبه غرقان. طرقت الباب بعصبية. ولأول مرة الباب اتفتح أكتر من شبر. راجل كبير في السبعين تقريبا شعره أبيض عيونه مرهقة بس فيها طيبة من نوع نادر. وشه مجهد كأنه شايل سنين الوحدة كلها فوق ملامحه. قال وهو شايفي غرقان يا ساتر يا ابني! ده إنت مبلول من فوق لتحت! ادخل جوه شوية. كنت متردد بس البرد كسر عنادي فدخلت. أول إحساس حسيته كان الدفء مش دفء المكان لأنه كان فاتر بل دفء إن في بشړ.
الغرفة صغيرة جدا. سرير حديد قديم كرسي مكسور متسند على الحيطة تلفزيون مطفي وجدران كلها تشققات. كأن البيت واقف بالعافية.

على الترابيزة صورة متغبرة في برواز خشب شاب في بدلة عسكرية بيضحك وجنبه ست وشها كله حنية. وجنب

الصورة كومة فواتير كهرباء ميه دواء مكتوب عليها بالأحمر متأخر في السداد. الراجل لاحظ إن نظري رايح على الصورة فقال بهدوء ده ابني سامي الله يرحمه. ودي مراته أم سامي. راحت قبله بشهرين. بص لي بابتسامة حزينة كأنه بيحاول يعتذر عن حال البيت وقال التلفزيون باظ من شهرين وسايبه كده. مبقاش في حاجة أتابعها.
ناولته كوب الشاي. مسكه بإيده المرتعشة وشكرني بابتسامة بسيطة وقال بصراحة أنا مش بحب الشاي. اتجمدت مكاني. أمال ليه بتطلبه كل ليلة رفع عينيه ناحيتي وقال بصوت خاڤت جدا مراتي كانت تعمل لي كوباية شاي قبل ما ننام كل يوم ولما راحت البيت سكت أوي. أنا بطلب الشاي مش عشان أشربه عشان أسمع صوت الباب لما تخبط.
الكلمة دي خبطت في قلبي كأنها طوبة. كل حاجة كنت شايفها تفاهة طلعت حاجة تانية خالص. هو ما كانش بيشتري شاي كان بيشتري لحظة دفء إحساس إن لسه في حد فاكره. ما قدرتش أقول حاجة. قعدت ثواني ساكت والجو حوالي كله بقى تقيل. وبصيت له لقيت دمعة صغيرة نازلة بهدوء على خده وهو بيحاول يخبيها بابتسامة.
رجعت البيت في تلك الليلة وأنا مش عارف أنام. فضلت أفكر كم واحد زي الحاج عبد الرحيم لوحده ناسيه الزمن وكل اللي فاضله صوت طرقة على باب! فتحت الموبايل وكتبت على جروب الفيسبوك بتاع سكان الحي

  يا جماعة في راجل كبير ساكن في عمارة عندنا بيعيش لوحده بطلب له كل ليلة كوب شاي بخمسة جنيهات. النهارده عرفت إنه مش بيطلب الشاي عشان يشربه بس عشان يحس إن لسه في حد بيخبط على بابه. تلفزيونه بايظ وفواتيره متراكمة والبيت كئيب جدا. لو في حد عنده تلفزيون قديم بطانية زيادة أو حتى وقت يزوره يمكن نقدر نغير يومه.
كتبت البوست وقفلت الموبايل. ما كنتش متوقع أي تفاعل. الدنيا كلها بقت لايكات وبوستات تنسى بعد خمس دقايق. عدى يوم يومين وفي اليوم التالت جالي إشعار من التطبيق. طلب جديد كوب شاي سادة شقة رقم ٧.

ابتسمت تلقائيا وقلت الراجل لسه بخير. لكن المرة دي وأنا طالع السلم سمعت صوت ضحك جاي من جوا الشقة. صوت ناس! وقفت مصډوم قدام الباب. طرقت بخفة وفتح الباب ست طيبة من الجيران قالتلي بابتسامة واسعة إنت أحمد إحنا كنا مستنيينك! دخلت متردد البيت اللي كان كئيب بقى مليان ناس ودفء.
واحد من الجيران كان بيركب تلفزيون مستعمل على الحيطة. ست كبيرة كانت بتحضر شوربة سخنة. شابة قاعدة جنب الحاج بتراجع معاه أوراق الفواتير وبتقول له ما تقلقش يا حاج الجمعية هتتكفل بالجزء الأكبر.

أما هو فكان قاعد على الكرسي ماسك كوباية الشاي اللي جبتها ووشه منور بابتسامة صافية يمكن أول مرة تطلع من سنين. بص لي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى